السيد علي صدر الدين المدني ( ابن معصوم )
147
رحلة ابن معصوم المدني ( سلوة الغريب وأسوة الأريب )
الطاعة فلم يستحق منه الإجابة . ويزعمون أنّ الأرواح إذا فارقت الأجسام اجتمعت لديه على مذهب أهل التناسخ وينشئها فيمن شاء . وأن مدّ البحر وجزره عبادة له على قدر طاعته . وكانوا بحكم هذا الاعتقاد يحجّونه من كلّ صقع بعيد ، ويأتونه من كلّ فجّ عميق ، ويتحفونه بكلّ مال نفيس . ولم يبق في بلاد الهند والسند - على تباعد أقطارها ، وتفاوت أديانها - ملك ولا سوقة إلّا وقد تقرّب إلى هذا الصنم بما عزّ عليه من أمواله وذخائره ، حتى بلغت أوقافه عشرة آلاف قرية في تلك البقاع ، وامتلأت خزائنه من أصناف الأموال . وفي خدمته من البراهمة ألف رجل يخدمونه وثلاثمائة رجل يحلقون رؤوس حجاجه ولحاهم عند الورود عليه ، وثلاثمائة رجل وخمسمائة امرأة يغنون ويرقصون عند بابه ، ويجرى من الأوقاف المصدرة له لكل طائفة من هؤلاء رزق معلوم . وكان بين المسلمين وبين القلعة التي فيها الصنم مسيرة شهر في مفازة موصوفة بقلة الماء وصعوبة المسالك واستيلائهم على طرقها . وسار إليها السلطان محمود في ثلاثين ألف فارس سوى الرجّالة والمتطوعة مختارا لهم من عدد كثير ، وأنفق عليهم من الأموال ما لا يحصى ، فلمّا وصلوا إلى القلعة وجدوها حصنا منيفا ففتحوها في ثلاثة أيّام ، ودخلوا بيت الصنم وحوله أصنام الذهب ، والمرصّع بالجواهر عدّة كثيرة محيطة بعرشه ، يزعمون أنّها الملائكة . فأحرق المسلمون الصنم فوجدوا في أذنه نيفا وثلاثين حلقة ، فسألهم السلطان محمود عن معنى ذلك فقالوا : كل حلقة عبادة ألف سنة ، فكلما عبدوه ألف سنة علّقوا في أذنه حلقة . وقد ذكر المؤرخون من أخبار هذا الصنم شيئا اقتصر بعضهم على هذا المقدار وفيه الكفاية . وأسلم في هذه الوقعة نحو عشرين ألفا ، وقتل من الكفار نحو خمسين ألفا . وكان السلطان محمود قد استصفى نواحي الهند إلى حيث لم تبلغه في الإسلام راية ، ولم تتل به قطّ آية ، ووقائعه وحروبه مذكورة في تاريخ أبي نصر العتبي « 1 » الذي ألّفه للسلطان المذكور . وسنذكر من أخبار الهند جملا فيما
--> ( 1 ) هو أبو نصر محمد بن عبد الجبار العتبي المتوفى سنة 427 ه وقيل غير ذلك ( معجم -